أحمد ابراهيم الهواري

139

من تاريخ الطب الإسلامي

الوقف على بعض أجواق تأتى كل يوم إلى المارستان لتسلية المرضى بالغناء أو بالعزف على الآلات الموسيقية . ولتخفيف ألم الانتظار وطول الوقت على المريض كان المؤذنون في المسجد يؤذنون في السحر وفي الفجر ساعتين قبل الميعاد حتى يخفف قلق المرضى الذين أضجرهم السهر وطول الوقت وقد شاهد علماء الحملة الفرنسية هذه العناية بأنفسهم . وجاء في هذه الخطط أيضا : إن هذا البناء الذي كان فيما غبر من الأيام ملجأ مفتوحا في الشدائد ، قد اضمحلت حالته بعد ذلك وزالت عنه السعادة الأولى التي كان يرفل في حلاها ، أو بعبارة أخرى كاد لا يبقى منه غير ظله بسبب ظلم الترك والمماليك وإهمالهم ولا سيما تبديد أمواله . وعندما دخله المسيو جومار كان عدد المرضى فيه خمسين أو ستين عدا المجانين وكانوا يسكنون قاعات في الدور الأرضي مفتوحة من كل جانب ، وليس بها أسرّة أو أثاث . وكان المجانين يشغلون قسما آخر من البناء منقسما إلى قاعتين ، لكل من الزوجين قاعة خاصة . وكان عدد المجانين عشرة يسكنون حجرات مقفلة بشابيك الحديد وفي رقابهم السلاسل ، وكان بينهم نوبيان أحدهما فتى مسرور محتبس منذ ثلاث سنين والثاني عبد للألفى بك ( أحد أمراء المماليك ) احتبس منذ أربعة شهور ، ورجل سرىّ يعتريه الجنون في كل شهر مرة وآخر معه زوجته الخ وكانت النساء عرايا أو أشبه بالعرايا وهذا البناء المتسع متصل بمسجد السلطان المنصور قلاوون . وقد أمر القائد العام الفرنسي رئيس الأطباء في الحملة بزيارة المارستان وتقديم تقرير عن حالته وعن الإصلاح اللازم له فتوجه إليه المسيوديجانت Degeanette مستصحبا معه الشيخ عبد الله الشرقاوي وهاك ما جاء في تقريره قال : توجهت اليوم إلى الشيخ عبد الله الشرقاوي فصحبنى إلى المارستان وربما كنت أول مسيحي وطئت قدمه أرض ذلك المكان . . فعند ما دخلنا رأيت مظاهر الاحترام التي جرت العادة أن تقدم لمثل هذا الشيخ ، ولكن كان يشوبها الشعور بقلق ربما كان سببه وجودي بينهم ، ثم فرش بساط جلس فوقه الشيخ ثم تكلم بكلام أدركت منه أنه يلقى عليهم موضوع مهمتى وأنه يأمرهم بمعاونتى على تأديتها . فاللمارستان مكان متسع ردئ الموضع يسع في المتوسط مائة مريض وفيه في الوقت الحاضر سبعة وعشرون مريضا ، وأربعة عشر مجنونا سبعة رجال وسبع نسوة . وفي المرضى كثير من العميان وأكثرهم مصاب بالسرطان وبعضهم أنهكته الأمراض العضالة المتروكة من غير علاج ، وجميعهم من غير إسعاف سوى توزيع الغذاء عليهم وهو من الخبز والأرز والعدس وهم لا يتصورون أن في الإمكان تخفيف أوجاعهم ، وهم بتركهم هكذا تحت رحمة الأقدار لم يعرفوا قط حتى أبسط الأدوية . ويقيم المجانين في ناحيتين منعزلتين في إحداهما ثماني عشرة